محمد الغزالي

275

فقه السيرة ( الغزالي )

سنين كالمودّع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر ، فقال : « إنّي بين أيديكم فرط ، وأنا عليكم شهيد ، وإنّ موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا . وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوها ! » . قال عقبة : فكان اخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه « 1 » . [ حمراء الأسد ] : على أنّ المسلمين دفنوا موجدتهم في أفئدتهم ، ولم يستسلموا لأحزان المصاب الذي حلّ بهم ، وكان تكاثر خصومهم حولهم سببا في أن يقاوموا عوامل الخور ، وأن يبدوا للناس بقية من قوة تردّ عنهم كيد المتربّصين ، على نحو ما قال الشاعر : وتجلّدي للشامتين أريهم * أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع وقد كانت الهزيمة في أحد فرصة انتهزها المنافقون واليهود ، وكل ذي غمر على محمّد عليه الصلاة والسلام ودينه وأصحابه ، ففارت المدينة كالمرجل المتّقد ، وكشف عن عداوته من كان قبلا يواريها ، وتحدّث الكافرون بالإسلام عن خذلان السماء للنبيّ المرسل من عند اللّه . فرأى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يعيد تنظيم رجاله على عجل ، وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد ، يخرج في أعقاب قريش ليطاردها ، ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها ! ! . كانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال ، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه . وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا ( حمراء الأسد ) « 2 » ، واقتربوا من جيش أبي سفيان ، وكان رجال قريش - بعد أن ضمّهم الفضاء الرحب قد عادوا إلى التفكير فيما حدث ، وأخذوا يتلاومون ، يقول بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئا ، أصبتم شوكة القوم ، ثم تركتموهم ولم تبتروهم ، وقد بقيت منهم رؤوس يجمعون لكم ! .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 3 / 164 ، 7 / 279 - 280 ، 302 ؛ ومسلم : 7 / 67 ؛ وأحمد : 4 / 149 ، 153 ، 154 ؛ والبيهقي : 4 / 14 . ( 2 ) رواه ابن لهيعة ، عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير مرسلا كما في البداية ، وذكره ابن هشام عن ابن إسحاق بدون سند .